- توقف الزمان. انتهى التاريخ. علاج عالمنا المعاصر يمر عبر الليبرالية حتما. أي بديل آخر رديف للعودة الى الفوضى والتقهقر. من الضروري التخلي طواعية عن بعض الحقوق الأساسية مقابل العيش في عالم آمن. هذه بعض البشائر التي عجت بها تصريحات ساسة القطب المنتصر في العقود القليلة الماضية، من أمثال فوكوياما وتاتشر وغيرهما. الحل السحري والحتمي عند هؤلاء يقضي بتحرير التجارة والأسواق دون قيد او شرط على مستوى كوكبنا الصغير. وفي نظر أصحاب هذا المعتقد الكوني، لا بد أن تسفر أي عملية ديمقراطية الى...هذه النتيجة المحتومة، ولا خيار غيرها، وذلك مهما اختلفت الشعوب والبيئات. هذه النظرة القاطعة هي وراء قيام ماكينة الإدارة الأمريكية الثقيلة مدعومة بالمؤمنين بها في أوروبا والتابعين لها في باقي العالم، الى التدخل في أكثر من 40 بلدا في جميع القارات، سواء كان ذلك في شكل دعم مليشيات، أو تنفيذ انقلابات، أو ارتكاب مجازر، كي تنعم هذه الشعوب بفيض كرم هذه الحلول السحرية
وقد لاحظ العالم فعلا سيطرة الحديث في العقود الأخير عن حتمية الحل الليبرالي كنموذج أوحد لحل مشاكل العالم، بعد "فشل" جميع الحلول الأخرى التي علقت عليها البشرية آمالا ردحا من العمر، وتواتر خطاب المنتصرين عن انهيار كل البدائل الأخرى، الواحدة تلو الأخرى، الى درجة أن دب الشك في النفوس وانهارت عزائم كل الجماهير التي سعت جاهدة لاستبدال نموذج الليبرالية المتوحشة ببديل أكثر إنسانية وعدل، واستحكم الوهن منها بحيث اعتقدت باستحالة بديل آخر. وبعد أن كان شعارها قبل قليل "عالم بديل أمر ممكن." غدا " هل عالم آخر ممكن؟"
وترى الباحثة الكندية "نعومي كلاين"، وفقا لما جاء في كتابها المرتقب "استفحال انهيار الرأسمالية" أن هذا التحول النفسي الذي انتهى بشلّ طاقات أصحاب الطريق الثالث، يشكل أساس الانهيار. ويرجع البعض،هذا العجز، الى أن المشكلة تكمن في شح الأفكار. بينما الواقع شاهد على عكس ذلك تماما، فالعالم يعج حقيقة بأفكار مستنيرة وواقعية، قادرة على إخراج العالم من ورطته، ولأدل على ذلك ما تزخر به مواثيق الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى من أفكار رائدة، قابلة للتطبيق لولا العراقيل الموضوعة في طريقها لعدة أسباب نوضحها لاحقا. ويرى فريق آخر أن المشكلة في ندرة الموارد المالية، غير أنه هنا أيضا، يشهد التاريخ أن الموارد لم يسبق لها أن توفرت مثلما هي الآن. فالمشكلة إذن ليست في الأفكار ولا في الموارد، ولا هي كذلك في غياب الإرادة السياسية كما يعتقد طرف ثالث، لان التاريخ برهن مرارا وتكرارا أن القادة السياسيين لا يؤسسون لنظام حكم عادل تلبية لتطلعات شعوبهم ومطالبها الملحة، فهؤلاء القادة لا يقدمون على ذلك إلا لمّا يكون البديل عن العدل وضعا لا تحمد عواقبه عليهم. هذه الحقيقة يقرها ما جرى خلال السنوات الأخيرة في عدد من دول العالم، سواء في أوروبا الشرقية سابقا او أمريكا اللاتينية بل وحتى إفريقيا. الشيء مثله إبان العقود الأخيرة لما كانت موجة الشيوعية تكتسح أرجاء العالم، فكانت يومئذ، الشيوعية تجسد موجة الخوف والاضطراب الذي دفع قطب الرأسمالية كرها الى مراجعة حساباته، وتلطيف نموذجه بحيث يبدو أقل وحشية وأكثر إنسانية، مبادرا بذلك الى "مخطط مارشال" و"النيو ديل". إذن المشكلة ليست في الأفكار ولا في الموارد ولا حتى في الإرادة السياسية. أين هي إذن؟
فللمشكلة الحقيقية عنوان، اسمه فقدان الثقة. فقدان ثقة الشعوب التي ما فتئت تتطلع الى بديل إنساني قائم على العدل وتكافؤ الفرص وتوزيع منصف للموارد، في ظل عالم قابل للاستدامة. وقد قال الباحث ييتس موضحا هذه الحقيقة: "إن الأخيار يفتقدون الثقة، بينما الأشرار مفعمون بالطاقة"، وتفسر نعومي كلاين ذلك فتضرب مثالا، إذ تسأل " هل تملك منظمات الدفاع عن المناخ ذات العزيمة التي تحرك السيد ديك شني للاستيلاء على حقول النفط في كازاخستان؟ لماذا تلاشت عزيمتنا؟ وأين تكمن جذور أزمة الثقة؟ الراجح أن جوهر الخلل يعود الى كوننا قد سلمنا ( واستسلمنا)، بأن أفكارنا قد استنفدت واتضح فشلها، مما دفع بنا الى إدارة ظهورنا عن بدائل نحن في أمس حاجة إليها وطالما اعتقدنا في سلامتها لحل مشاكل عالمنا المعاصر. ونتيجة ذلك السيل من الخطابات التي تروج لفشل الأفكار الجديدة والمستنيرة، أخذنا نتوارى ونتراجع حتى بالنسبة للشعارات التي كنا نرفعها حول وجود عالم آخر بديل. "ليس هناك بديل آخر" قالت تاتشر، " انتهى التاريخ" زعم فوكوياما، فيما ادعى "ائتلاف واشنطن" أن "عملية التفكير قد تمت، والإجماع قد حصل" جوهر هذه التصريحات يبرز" إقرار" مفاده أن الرأسمالية تعد الترياق لمشاكل المعمورة بعد ثبوت انهيار جميع الأفكار الأخرى!
ومن الملفت في هذا الصدد أن ثمة شطر من الحقيقة قد طُمِس، ففي الوقت الذي كانت تصدر تصريحات الانتصار هذه، لم يكن الفشل الذي يتحدثون عنه يصيب النظم الديمقراطية الاجتماعية في البلدان الاسكندينافية، ولا النموذج الكندي الرائد في مجال تعميم الرفاهية بحيث تصدر قائمة مستويات المعيشية استنادا الى مقاييس الأمم المتحدة، ولا بلدان "نمور أسيا" مثل كوريا الجنوبية وماليزيا التي مزجت بين تطوير وتنمية صناعة قومية والوقوف دون استحواذ رأس المال الأجنبي، مع الاحتفاظ في ذات الوقت بالسيطرة الحكومية على القطاعات الأساسية مثل الماء والكهرباء، مما أسفر عن استفادة الطبقات الوسطى من تعميم الفائدة بسرعة كبيرة بدل أن تستحوذ قمة الهرم على امتصاص النمو. فالذي انهار عند إصدار فوكوياما تصريحه الشهير سنة 1989، نمط محدد، وهو النظام الشيوعي المركزي، النظام الاستبدادي المناهض للديمقراطية، النظام القمعي باختصار. وذهب فوكوياما الى أن "التقاطع بين اختلال الأسواق على الصعيد الاقتصادي و ديمقراطية ليبرالية على الصعيد السياسي، يمثل نهاية التطور الإيديولوجي للبشرية وينجم عنه الشكل النهائي لنمط حكم الإنسانية! غير أن ما تغاضى عنه في هذا التصريح، هو أنه في الأساس يوجد مساران، فمن جهة، ديمقراطية لاختيار القادة الذين يحكمون، ومن جهة ثانية ليس أمام أصحاب الاختيار سوى نموذج اقتصادي واحد! ومعنى ذلك أنه لا يمنحك صوتك في إطار تلك العملية الديمقراطية، حقك المشروع في رسم النموذج الاقتصادي الذي تريده، وذلك لأن كل القرارات الاقتصادية قد اتخذت بالفعل قبل حتى انطلاق عملية التصويت. إن هذا الزعم بأن الديمقراطية لا حق لها ولا أثر في المجال الاقتصادي، يعد بحق أكبر هرطقة ومناهضة للديمقراطية في زماننا هذا.
فكان البديل يقتضي الجعل من الاعتناء بالاقتصاد جزءا لا يتجزأ من العملية الديمقراطية، ومن ثم ترسيخ حق تملك الأراضي كشكل من أشكال الديمقراطية واستقلالية الإعلام وغير ذلك من الشؤون الحيوية في حياة الناس، وكل ذلك مستمد من حق المواطن في تشكيل سياسات بلاده واتخاذ القرارات المصيرية. وهذه المشاركة لا تنبع من وازع تعاطف وشفقة "الصداقة والإحسان" بل هي حق راسخ من حقوق المواطن، وكل ما يحتاج إليه هو مساعدته على إقامة نموذج يؤمن به ويعمل على تحقيقه بسواعده، سعيا وراء صياغة مصيره، لا أكثر ولا أقل!
فبعد بصيص الأمل الذي لاح في الأفق، عقب تجمع "بورتو أليغري"، نشاهد اليوم نموذج دافوس يطل مجددا وبقوة أكبر، حيث استعاد أرباب المؤسسات والشركات العابرة للحدود صلاحية تقرير مصير الإنسانية. وكانت هجمات سبتمبر 2001، فرصة سانحة استغلها قادة أمريكا وحلفائها، لإنهاء كل نقاش حول العدالة في العالم، ومنذ ذلك الحين ملأت أسماعنا معادلة جديدة، اسمها: ما قبل سبتمبر وما بعده، تأريخا لعهد جديد من تاريخ البشرية، مع إسقاط كل الانشغالات المطروحة، ووجه الاهتمام كله صوب الحيز الأمني، الذي اتخذ شعار الحرب على الإرهاب. فغدا الحديث عن العدالة الاقتصادية والاجتماعية حديثا رجعيا متخلفا او ساذجا في أحسن تقدير! ويلاحظ في هذه النقطة بالذات، أنه في الوقت الذي أطربتنا قيادة أمريكا بأسبقية الاهتمام الأمني، استغلت إدارتها أحداث 11 سبتمبر لشن حربها الاستباقية في العراق لمواصلة مشروعها الاقتصادي الراديكالي، تحت غطاء الحرب، مع شحنة من الحقد والانتقام، واستحواذها على جميع المشاريع الجديدة في حقول النفط ( في عهد بول بريمر) دون التفاوض مع أي جهة، فأعيدت صياغة شاملة لخريطة العراق الاقتصادية!
ليس هذه هي المرة الأولى!
وتجدر الإشارة أن هذه ليست المرة الأولى التي تصد الأبواب أمام البدائل بمجرد أن تطرح نفسها أمام الملأ، ونضرب مثلا بما جرى في التشيلي، بعد "الإفراج" عن الوثائق السرية، منها المراسلة بين هنري كيسنجر ونكسون، يقول فيها كيسنجر: إن المشكلة مع انتخاب ألندي ليست فيما يصرحون به علنا، أي أن الرجل تابع للسوفييت، بل المشكلة تكمن في أن ألندي مصمم على فرض نظام شمولي حقيقي، ومن ثم فإن نجاح نموذج حكومة ماركسية منتخبة في التشيلي، سوف يكون له ما بعده، وآثارا خطيرة، وسابقة تغري دول أخرى في العالم، مما قد يكون له تأثير خطير على توازن العالم وعلى وضعيتنا فيه"، وكان ذلك إيحاءا بحتمية سحق هذا البديل، الأمر الذي نفذته الإدارة الأمريكية بكل عنف وهمجية عند إطاحتها بالرئيس المنتخب اغتيالا، واستبداله برجلها القوي، الجنرال بينوشيه.
هل من حل ثالث؟
بولندا 1989، الرابع حزيران. انتخب الشعب البولندي الحركة النقابية " تضامن" لترأس الحكومة الجديدة ( في بلد مُنِع فيه إجراء انتخابات عقودا من الزمان). وقد نجم عن ذلك عملية دومينو طالت دول شرق أوروبا، وانتهت بتفكك الاتحاد السوفيتي. لكن لم يكن ذلك نهاية للتاريخ كما زعم فوكوياما، بل رأى فيه الشعب البولندي انطلاقة جديدة للتاريخ، وفرصة لتنفيذ البرنامج الذي كانت الحركة العمالية "تضامن" تبشر به، فكانت طريقا ثالثا حقا. لكن التجربة لم تترك وشأنها، فتم ليّ عنق حقيقة ما جرى في بولندا ( وغيرها فيما بعد) وتم التلاعب في تفسير معنى نتائج ذلك الاقتراع، رغم صرخات أصحاب المبادرة سعيا منهم الى توضيح جوهر الحدث، حيث شددوا على أن انتخاب " التضامن" لم يكن رفضا وتخل عن الاشتراكية كتوجه اجتماعي، وأن تصويت الشعب البولندي كان حرصا على تطبيق اشتراكية حقيقية، وأن الجهة التي انقلبوا ضدها تمثل هيئة الحزب الشيوعي الشمولي، بحيث كان يشعر هذا الشعب انه في تناقض تام مع كل ما يرمز إليه الحزب الشيوعي، وتمكنوا في نهاية المطاف من تحقيق مبتغاهم بفضل "التضامن" التي استقطبت عشرة ملايين من الأعضاء. فما الذي كانت تفكر فيه الجماهير عند تصويتها لصالح "التضامن"؟ هل لكي تصبح بولندا مسرحا لاقتصاد السوق وفقا لتنجيم فرانسيس فوكوياما؟ الحقيقة ما تفوه به الشعب البولندي وقادة الحركة، وننقل في هذا الصدد فقرة من البرنامج الاقتصادي "للتضامن" المعتمد بحرية سنة 1981، جاء فيه: " ينبغي أن تكون المؤسسات المتخصصة هي الوحدة التنظيمية الرئيسية في الاقتصاد، وينبغي لها أن تكون تحت رقابة مجلس العمال الممثل للتجمع ويشرف عليها مدير يعين عن طريق منافسة ديمقراطية..."، فالفكرة الأساسية قامت إذن على إبعاد الحزب عن الاستحواذ على الاقتصاد، وتمكين العمال من التحكم في أماكن عملهم. ولما أتيحت لهم فرصة المحاولة برهنوا على جدارتهم في إجراء انتخابات ديمقراطية، دون تخليهم عن النظام الاشتراكي، وأقاموا نظاما اقتصاديا قائما على مشاركة العمال، كركيزة أساسية من ركائز اقتصاد البلاد. وبعد ذلك كله، حيل دون إتمامهم مسيرتهم، إذ حصلوا بدل ذلك على مديونية كبلت عملهم وشلت حركتهم، وقيل لهم في المقابل أن الطريق الوحيد للانفكاك منها يمر عبر إتباع برنامج " المعالجة بالصدمة" ( شوك تيرابي ). فماذا كانت نتيجة ذلك "العلاج"؟
-
بلغت نسبة البطالة بين الشباب في سن الشغل عام 2006: 40% ( أي ضعف النسبة الأوربية). وكانت نسبة السكان ممن يعيشون تحت سقف الفقر عام 1989، 15%، فيما ارتفعت عام 2003 لتصل 59%. ولعل هذه الهوة المتعاظمة والإقصاء الاقتصادي يفسر سبب انتشار العنصرية ومعاداة السامية ومعاداة الأجانب وغيرها من الآفات المستشرية في العقود الأخيرة في دول أووربا الشرقية، وهو أمر متوقع بعد أن جرب البولنديون الشيوعية، ثم الرأسمالية فالاشتراكية الديمقراطية، وبدل ذلك حصلوا على علاج بالصدمة!
حلم "تيانن مان سكوير": من عجائب القدر، أنه في اليوم الذي فازت فيه حركة تضامن في بولندا في انتخاباتها التاريخية، كانت الدبابات تدوس جماجم المتظاهرين في ساحة تيانن مان في بيجين بالصين، في مجزرة 4 حزيران 1989 التي وضعت حدا داميا لحلم آخر. وهنا أيضا استغل القطب الأوحد آليته الإعلامية في عملية تبسيط فاضحة في محاولة تفسير احتجاجات بيجين الطلابية على أنها صرخة استغاثة للعيش على النمط الأمريكي! ولم تعمر المخادعة طويلا، إذ برز في السنوات الأخيرة تحليل بديل لتلك الأحداث يركز على "فاعل" لم نكن نسمع عنه، اسمه اليسار الصيني الجديد، يظهر أن المحرك الأساسي وراء تلك الاحتجاجات يعود إلى أن حكومة دنغ كسياو بينغ آنذاك، كانت تعيد هيكلة اقتصاد البلاد امتثالا وخضوعا لخطط ملتن فريدمان، صاحب العلاج بالصدمة، فأثقل ذلك كاهل الشعب الصيني وساهم في إفقاره، وحرمانه من حقوقه الأساسية، مما دفعه الى الخروج الى الشوارع تعبيرا عن رفضه لتلك السياسة، مطالبا بمراقبة ديمقراطية على عملية الانتقال. ويتضح من هذا المثال أيضا أن الديمقراطية ليست فكرة مجردة، وليس معناها "نريد أن نصوت" فحسب، فمعناها أن المصوتين يريدون مراقبة هذا التحول، والاطلاع على ما يحدث في هذه المرحلة الانتقالية، وأن تكون لهم الكلمة فيها. وهو عكس ما يدعيه فوكوياما، فالمساران ( الديمقراطي والاقتصادي) لا بد وأن يتقاطعا.
المؤتمر الوطني الإفريقي: فرصة ضائعة أخرى! كان ذلك عام 1994 عند فوز المؤتمر الوطني الإفريقي فوزا كاسحا، انتصار طالما انتظرته شعوب العالم قاطبة. وكان تفسير ذلك مرة أخرى جد مبسطا، وأطربت حينذاك مسامعنا بـ" نهاية حكم الميز العنصري". لكن ما معنى نهاية حكم الميز العنصري بالنسبة لشعب جنوب إفريقيا؟ الجواب يمدنا به الزعيم نلسن منديلا، إذ كتب قبل أسبوعين من الإفراج عنه وبعد أن ازدادت المخاوف من أن مكوثه في السجن ردحا من الوقت قد أنساه وعد الحركة، الذي لا ينحصر في إقامة انتخابات، بل يشمل تغيير اقتصاد البلاد وإعادة توزيع ثرواتها، وشعور الرجل بثقل وخطورة الأمانة قال:" فإن تأميم المناجم والبنوك، واحتكار الدولة للاقتصاد من صميم سياسة المؤتمر الوطني الإفريقي...وسيطرة الدولة على بعض القطاعات الاقتصادية أمر حتمي، ولن نحيد عن ذلك أبدا". وهو الأمر الذي كرسه فعلا ميثاق جنوب إفريقيا.
هذه الأمثلة الثلاثة عينة فحسب عن البدائل المنهوبة التي تعرضت للسطو والمصادرة، والتذكير بها حتى بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة أمر ضروري للتأكيد من جديد أن الأفكار موجودة والبدائل للأمر الواقع موجودة، وكل ما ينقصنا هو إعادة قراءة تاريخنا وتفسيره بعيدا عن التلفيق والاستغلال. وينبغي أن يعلم الجميع أن التاريخ المعاصر شهد بالفعل بدائلا، حظيت باختيار وتزكية الشعوب، ثم تعرضت للسطو من قبل القوى الضاغطة، إما عبر الخداع او تحت سلاسل الدبابات او عبر المجازر والرعب والإرهاب.
وتختم الباحثة كلاين تدخلها فتقول: "لا بد على كل مؤمن بهذه الحلول والبدائل أن يعتقد جازما أننا لم ننهزم، ولم نخسر معارك الأفكار، ولم تنقصنا الحجة، فخسارتنا كانت في مواجهة آلية الرعب، تارة في صورة الدبابة، وتارة أخرى في هيئة خزان الأفكار ( ثنك تنك: مجموعات التفكير) وأعني بذلك، الأشخاص الذين يتقاضون أجورا من صانعي الدبابات مقابل ما ينتجونه من أفكار. وكم هو ملفت للنظر ذلك التناغم بين صانعي الدبابات وخزانات الأفكار! إن ضحايا عالم اقتصادي أوحد يعدّون بالملايين، من التشيلي الى العراق. وإن نماذج عالم آخر أجهضت لأنها حظيت بتزكية شعبية واسعة، ولأنها جربت ونجحت، ونجاحها يعود لكونها تمنح ملايين المواطنين حق العيش كريما مع ضمان حاجياتهم الأساسية، فلا بد إذن أن نتيقن أننا لم نخسر الحرب، ما خسرناه هي حروب قذرة، وهذا التوضيح جد ضروري، بل مصيري لبناء الثقة التي نفتقدها من أجل شحذ الهمم والطاقات اللازمة.
Comments