مثُل وفد حكومة الجزائر يوم الاثنين أمام مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة في إطار أول مراجعة دورية شاملة، وهو الإجراء الذي استُحدث مع إنشاء مجلس حقوق الإنسان في 2006 خلفا للجنة حقوق الإنسان السابقة. والغرض من المراجعة هو مساءلة حكومة الدولة المعنية عن أوضاع حقوق الإنسان فيها وعن الإجراءات السياسية والقانونية المتخذة من أجل حماية وترقية هذه الحقوق.
وترأس الوفد المذكور وزير الخارجية مراد مدلسي الذي حضر معه فريق (1) يضم عددا من "التقنيين" في مختلف المجالات جاؤوا للدفاع عن موقف الرسمي، منهم كمال رزاق بعرة الرئيس السابق لمرصد حقوق الإنسان سيء السمعة. وكما جرت عليه العادة، واتباعا للسنة التي أكدها و يرعاها عبد العزيز بوتفليقة، جاءت كل المداخلات باللغة الفرنسية، بالرغم من أنّ اللغة العربية لغة رسمية لدى الأمم المتحدة منذ زمن بعيد.
ومن المسائل التي طُرحت أثناء المراجعة قضية الزيارات التي يُفترض أن يقوم بها المقررون الخاصون ومسؤولو فرق العمل المعنية بمختلف أنواع الانتهاكات لحقوق الإنسان كلما اقتضت الضرورة ذلك. وكان من المتوقع أن تُطرح هذه المسألة لعدم التعاون المزمن الذي أظهرته الحكومة الجزائرية منذ سنوات طويلة ورفضها المتكرر للسماح بمثل هذه الزيارات (2). وللتذكير فمثلا منذ 1997 والمقرر الخاص بالتعذيب والمعاملات القاسية والمهينة يحاول أن يزور الجزائر بدون جدوى، ونفس الرفض كان من نصيب المقرر الخاص بالقتل العشوائي خارج إطار القضاء والمقرر الخاص بحماية حقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب وفريق العمل المعني بالاختفاء القسري. كما أنّ المقرر الخاص بحرية الرأي والتعبير كان من المفترض أن يزور الجزائر في سنة 2005 لكن تم تأجيل زيارته. ولم يُسمح بزيارة الجزائر في العشرية المنصرمة إلا للمقرر الخاص بحرية الدين والمعتقد (16-26 سبتمبر 2002) والمقرر الخاص بالعنف ضد المرأة (21 يناير-1فبراير 2007)، والذَين قُبلتزيارتهما إرضاءاً للوبيات حليفة أكثر منها احتراماً لحقوق الإنسان.
وفي رده بخصوص هذه المسألة صرّح وزير الخارجية بأنّ "الجزائر لم تمنع أبدا هذه الزيارات، ولكنها أبدت الرغبة في إدراجها في إطار يجعلها قادرة على معالجة المشاكل الحقيقية وليس المشاكل الاستثنائية، بل التي هي من قبيل النوادر" (3).
ولا يمكن اعتبار إجابة مراد مدلسي سوى تدليسا للحقيقة وتضليلا للرأي العام وكذبا صريحا أمام الملأ واستهزاء بأعضاء المجلس الذين لا يجهلون تصرفات الحكومة الجزائرية. وليت الوزير أنكر وصمت. لكنه استمر في غثيانه معتبرا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفتها الجزائر في الـ16 سنة الماضية "نوادر"، أي، بلغتنا العامية، امْحاجيات.
وللتذكير فقط، فمنذ فترة استُدعي مراد مدلسي إلى محكمة البليدة للإدلاء بشهادته في قضية "الخليفة" بصفته آنذاك وزيرا للمالية ومسؤولا رئيسيا في القضية التي سُميت بـ"اختلاس القرن" والتي نُهبت فيها عدة مليارات من الدولارات وراح ضحيتها آلاف المواطنين الموفرين في صناديق الضمان العمومية. وعند مساءلته من طرف القاضية المكلفة بالملف والنائب العام صرّح الشاهد بأنه، بمرور الوقت، يعترف بنقص في الذكاء (4).
إنّ تصريحات مراد مدلسي هذه في قصر الأمم المتحدة بجينيف تُبين أنّ لديه ليس فقط "نقص في الذكاء" بل أيضا عجرفةَ وانعداماً في الشعور بمعاناة الغير، وما عليه إلا الخروج من المنطقة الخضراء المسمّاة بنادي الصنوبر حتى يشاهد بأم عينيه مأساة الملايين من الجزائريين الذين يكابدون يوميا حياة ملؤها البؤس والشقاء.
ومن هؤلاء آلاف العائلات التي خُطف أبناؤها من طرف زوار الفجر الذين يسمونهم مصالح الأمن. ومن هؤلاء مئات الآلاف الذين تعرضوا لأبشع عمليات التعذيب في مقرات الشرطة والدرك والمخابرات.
ومن هؤلاء مئات الآلاف الذين هجّروا من قراهم وبلداتهم بعد أن ذُبح منهم الآلاف كما في الرمكة وبن طلحة والرايس، إلخ.
وكثيرون غيرهم عايشوا مآسٍ قل نظيرها، ولعلّ مقتل أكثر من مائتي ألف من الجزائريين أبلغ تعبير عن ديموقراطية الجنرالات التي جاء بها انقلاب 11 يناير 1992، والتي يجتهد مراد مدلسي ورزاق بعرة وبوتفليقة وكثير غيرهم من المدنيين الموظفين في الدفاع عنها أمام المنظمات الإنسانية الدولية، والتي تعرف أن هؤلاء ليسوا إلاّ نسخة مشوهة فكرا ولغة و موقفا من أولئك الفرنسيين الذين رفضوا يوما ما في مجلس الأمن الاعتراف بأنّ هنالك شعباً إسمه الشعب الجزائري ودولة إسمها الجزائر.
رشاد 16 أبريل 2008
روابط
1) لزهر سوالم ولعربي جقطة وسعيد شعبان وعبد الوهاب حامد وزينب دريس وليلى بومغار ووحيدة بورغة وسلمى مليكة هندل وسعيدة قياس
Comments