Activités - أنشطة إفتتاحيات هيبة الدولة أم استبداد نظام منحرف ؟
هيبة الدولة أم استبداد نظام منحرف ؟ Imprimer E-mail

كثيرا ما تثار في دول التخلف والاستبداد، كما هو الحال في بلدنا الجزائر، مسألة هيبة الدولة. وإذا كان لا يختلف إثنان – إذا استثنينا دعاة النظرية الفوضويّة anarchy - على ضرورة وجود الدولة كضمان لوحدة الأمة وحفظ مصالحها وترتيب أمورها ومن ثمة أهمية تمتع هذه الدولة بالمقومات المعنوية والمادية التي تمكنها من القيام بمهمتها، أي تمتعها بحق الولاء والطاعة، فلا شك أن عبارة "هيبة الدولة" تدخل في خانة "كلمة حق يراد بها باطل"، إذا ما حللناها في إطار واقعنا الجزائري.

ولبُّ المشكلة يكمن أساسا في عدم الوضوح عند الطبقة الحاكمة عندنا في الفصل بين الدولة كمؤسسة وهم كأفراد. بل إنه بالأحرى أن نقول أن المسألة محسومة بالنسبة لهؤلاء: فالدولة هي هم وهم الدولة. فهيبة الدولة بالنسبة لهؤلاء هي أن يهابهم الناس. ويفرض هذا التصور المنحرف أنماطا سلوكية نلقى أثارها في كل هيئات ومؤسسات الدولة والمجتمع.

ففي الجيش مثلا من يفوقك برتبة يسمح لنفسه بالتنكيل والنيل والتعدي عليك وهذا طبعا لا من باب ممارسة يفرضها الانضباط والصرامة في التسيير بل هو من علامات التجبر وإذلال الغير، إقتداءً بمفهوم "هيبة الدولة" عند القادة. وفي نفس السياق ترى حامل الزي العسكري يتهجم ويهين المدني ولو كان أعلى مرتبة منه إداريا، فكم من قاضي جرائري أُهين من طرف ضابط في المخابرات. ومن لم يلحظ التوبيخ بل الشتم العلني لرئيس الدولة لوزرائه أمام الملء والعجب أن هناك من يرى في ذلك من حسناته لأن القوم اعتادوا التلذذ بالتنكيل بالغير... قبل أن يصلهم الوباء في عقر دارهم! والعجب من خلال هذه التصرفات لرئيس الدولة أن لا أحدا من أبواق السلطة والمنتفعين منها يطرح السؤال : من عيّن وأبقى على هؤلاء الوزراء في مناصبهم؟ أليس هو الرئيس نفسه؟ وإذا كانت هذه هي طريقة الاختيار ومن ثمة بقاؤهم في المسؤولية أليس من العجب أن يطالب مثل هذا الرئيس بعهدة ثالثة ؟ فما الذي سينجزه بمثل هذه التصرفات النابعة من فلسفة متجذرة في نخاع هذا النظام ، يصفونها بهتانا بهيبة الدولة ؟

ومن علامات "هيبة الدولة" بمفهوم النظام الحالي أن الحكام لهم الحق في اشتراط الطاعة المطلقة لهم من طرف الشعب لأنهم هم أولو النعمة، فهم الذين يوفرون السكن والأكل والتعليم و... إمتنانا وتكرما منهم، فكيف يعقل أن يفكر المواطن في مناقشة أوامرهم ورغباتهم؟ وتبعا لهذا المنظور فلا يمكن لاقتصاد البلد أن يكون إلا ريعيا لأن الحكام ليسوا أصلا في حاجة لثروة ينتجها المواطنون بل يكتفون بمردود النفط الذي يعتبرونه ملكا لهم تكرّموا منه بالنسبة التي يرونها على الشعب المسكين. وكلنا شاهدنا رئيس الدولة يعنّف طالبا متفوقا في الباكالوريا طالبه أمام كاميرات التلفزة بمنحة للدراسة في الخارج فأجابه غاضبا أنه لن يمنحه ذلك وأن عليه أن يحمد الله لأن الجزائر هي البلد الوحيد الذي يوفر منحا للطلبة داخل البلاد،  ووزير التعليم العالي واقفا بجنبه راضيا بتلك الإجابة. فحسب الرئيس إذا، ووزيره الذي بكل تأكيد رضي بالإجابة حفاظا على منصبه وليس من باب القناعة، فإن الطلبة في كوريا والسويد، إلخ.. ومئات الدول الأخرى لا يمكنهم الحصول على منح للدراسة من طرف دولهم ! فما هذا الهراء الذي نفرضه على شعب بأكمله فقط لنرضي رئيسا مولعا بـ "عبقريته"؟

قد يطول الحديث عن مثل هذه النماذج التي يعيشها المواطن يوميا في كل جوانب حياته وهو يعاني من استلاب حقه في المواطنة. وأما النظام فتبقى نظرته هي هي وكل تصرفاته ترمي إلى تعزيز نظرته لـ "هيبة الدولة".ففي الأيام القليلة الماضية أطلعنا العقيد تونسي، المدير العام للأمن الوطني، والكل يعرف من هو تونسي و"إنجازاته"، بأن "الجزائر لازالت بعيدة عن المعايير الدولية من حيث أفراد الأمن" ومن ثمة فلا بد من تجنيد المزيد من قوات الأمن! لسنا ندري من أين أتى تونسي بهذه المعطيات اللهم إن كانت معاييره الدولية هي الدول المستبدة فقط! فمعدل قوات الأمن اليوم في الجزائر يفوق 12 لكل ألف ساكن على أقل تقدير – وهذا باستثناء الميليشيات وأجهزة أخرى – فيما يبلغ المعدل العالمي اقل من 7 لكل ألف نسمة!  فالكذب والتدليس من سمات هذا النظام الذي يبقى مستمرا في تسخير كل طاقات البلاد ليس لخدمة الوطن والشعب بل لضمان بقائه. فقوات الأمن وخاصة الضباط الشرفاء يعلمون أكثر من غيرهم أن توجهات النظام الحالي لن تمكنهم من حفظ أمن المواطنين بل أنهم مسخرون لضمان بقاء النظام فقط.

إن هيبة الدولة تعني أولا تجسيدا ميدانيا لمفهوم سيادة القانون ومفهوم تحديد المسؤوليات وسبل محاسبة المسؤولين. وأول دعائم دولة القانون هي استقلال جهاز القضاء. وفي هذا الصدد ذكرت منظمة حقوقية قبل أيام أن سجينا في تيزي وزو أضرب عن الطعام احتجاجا على عدم محاكمته وهو مسجون منذ 9 سنوات، فأخبره المدعي العام  أنه نظرا لحساسية قضيته فليس بيده ولا بيد رئيس المحكمة صلاحية تحديد موعد لتقديم القضية أمام المحكمة، وأنه سيطرح قضيته لدى " السلطات المختصة"! والكل يعلم أن الاختصاص الوحيد لهذه السلطات أنها "خفية" غير معرفة قانونا ودستورا!

المواطن العادي، والجندي والموظف كلهم بإمكانهم إعتماد مقاييس بسيطة لتقدير نوعية "هيبة الدولة" التي تسود في بلادنا. ففي اليوم الذي يكون فيه القاضي في مأمن من إذلال وضغط السلطة الخفية، وفي اليوم الذي نرى الشرطي واللجمركي يفرض على أصحاب "المقام الرفيع" الالتزام بالقانون ولا يحتقر الباقين من الناس باشتراط الرشوى، فيومها يمكننا أن تقول أننا متوجهون فعلا نحو "هيبة الدولة" بمفهومها الإيجابي. قد يقول قائل أن هذا يحتاج إلى حس مدني وتربية نفتقدها في بلدنا، ولا شك أن هذا الكلام فيه نصيب من الصحة ولكن المشكلة تكمن في أن النظام الحالي لا يمكنه أن يتحرك نحو تحسين الوضع في هذه المجالات لأنه هو الذي يعمل على تجسيد وتقنين الانحراف. أكيد أن التوعية والتربية تحتاج إلى جهد طويل ومستمر ولكن هل يعقل أن يكون كبار المسؤولين الحاليين قدوة للشعب في الوقت الذي نراهم يدوسون "هيبة الدولة" الحقيقية في كل حين؟

و يبقى لب المسألة في مدى وعي المواطن بضرورة مثل هذا التحرك وإدراكه أن مثل هذا التغيير لا يمكنه أن ينبع من رحم نظام يعمل على عكس هذا المنحى. فالتغيير لا بد أن يكون جذريا، في الذهنيات أولا بكسر الشعور بالعجز وكسر حاجز الخوف – أي الهيبة السلبية التي يريدها النظام – وأن يكون مستقلا عن السلطة وشروطها وحساباتها.

Add this page to your favorite Social Bookmarking websites

Reddit! Del.icio.us! Mixx! Free and Open Source Software News Google! Live! Facebook! StumbleUpon! TwitThis Joomla Free PHP

Comments

B
i
u
Quote
Code
List
List item
URL
Name *
Email (For verification & Replies)
Code   
ChronoComments by Joomla Professional Solutions
Submit Comment